في فجر 9 مارس/آذار 2026، كان قارب صغير يحمل عشرات المهاجرين يشق طريقه في عرض البحر قبالة سواحل أنطاليا.
لم يكن على متنه سوى أمل بالوصول… وخوف من المجهول. لكن ما حدث خلال ساعات، بحسب شهادتين حصل عليهما هذا التحقيق، لم يكن مجرد مطاردة انتهت بحادث، بل تسلسل من التصعيد انتهى بكارثة.
يقول “مجد” (اسم مستعار)، وهو أحد الناجين تحدث لفريق التحقيق الإنقاذ الموحّد وقال:
“في البداية، حاول خفر السواحل التركي إيقافنا… طلبوا من القبطان التوقف” لكن القبطان لم يمتثل.
بحسب مجد، حاول بعض الركاب إقناعه بالتوقف، إلا أنه رفض بشدة، بل وهددهم بالسلاح.
“قلنا له توقف… لكنه أصر، وكان يخاف على نفسه وهذا هو المرجح، وهددنا حتى لا نتدخل”.
بدأت المطاردة بقارب واحد تابع لخفر السواحل التركي كما يذكر الشاهد، قبل أن تنضم قوارب أخرى لاحقًا.
“في البداية كان قارب واحد، ثم جاء قاربان إضافيان”، يقول مجد.
خلال ذلك، حاول القارب الهروب، فيما كانت قوارب خفر السواحل تقترب أكثر فأكثر.

“كانوا يحاصروننا… يقتربون من كل جهة”.
في البداية، كان إطلاقًا تحذيريًا في الهواء.
لكن، بحسب الشهادتين، لم يتوقف الأمر عند ذلك.
يقول مجد:
“بعدها، بدأوا إطلاق النار باتجاهنا مباشرة”.
ويؤكد “هوشيار” (اسم مستعار)، الشاهد والناجي الثاني، الذي كان على متن القارب، هذه الجزئية:
“نعم، كان هناك إطلاق نار… في البداية في الهواء”.
لكن مجد يضيف تفصيلًا حاسمًا:
“تم توجيه النار نحونا… وأصيب عدد من الأشخاص”.
بعد فترة من المطاردة والمناورات استمرت حوالي الساعتين، وصلت الأحداث إلى ذروتها.
يقول مجد:
“في النهاية، تقدم قارب خفر السواحل نحونا بشكل مباشر… وصدمنا من الأمام وبقوه”.
يتوقف قليلًا، ثم يضيف:
“كان متعمدًا… لم يكن حادثًا”.
هوشيار، الذي بدا مترددًا في البداية، أقرّ لاحقًا بنفس الأمر خلال الاستجواب:
“نعم… قلت لهم، الاصطدام كان متعمدًا”.
في مقدمة القارب، كانت تجلس امرأة سورية تحتضن طفلها الصغير.
يروي مجد:
“عندما حصل الاصطدام… طار الطفل من بين يديها وسقط في البحر”.
نجت الأم، أما الطفل فلم ينجُ. عندما اصطدم بنا القارب، سقطتُ في الماء. كان هناك طفل بالقرب مني، فحملته قليلًا، لكن لاحقًا بدأ جسمي يثقل وأغوص إلى الأسفل. كانت أمّ الطفل بجانبي، وعندما شعرت أنني لم أعد أستطيع الاستمرار، أعطيتُ الطفل لأمّه, كانت تجيد السباحة. كان الأمر مرعبًا حقًا. لم نكن نرتدي ستر النجاة؛ فقد وعدنا المهرّبون بأنهم سيعطوننا ستر النجاة عندما نصل إلى القارب، لكننا لم نجد أي شيء. كانت لحظة مرعبة”، يقول الشاهد.
مع قوة الاصطدام، فقد القارب توازنه، وسقط عدد كبير من الركاب في الماء.
“لم نستطع التمسك… سقطنا جميعًا”، يقول مجد.
في الماء، كان المشهد صادمًا:
أشخاص يصرخون، آخرون يحاولون السباحة، وكثيرون اختفوا تحت السطح.
يقول هوشيار:
“رأيت جثثًا كثيرة… بين 20 إلى 25 شخصًا في البحر”.
رغم سقوط هذا العدد في الماء، يؤكد الشاهدان أن الإنقاذ لم يكن فوريًا.
“بقينا في البحر… ولم يأتِ أحد مباشرة”، يقول مجد.
“هذا ما زاد عدد الضحايا”.
ويضيف هوشيار:
“بقينا فترة في الماء قبل أن يتم إنقاذنا”.
في النهاية، تم إنقاذ عدد محدود فقط من الذين سقطوا في البحر.
“كنا قلة… سبعة تقريبًا”، يقول أحد الشاهدين.
وكانوا من جنسيات مختلفة، بينهم أفغان، سوريون، يمنييين، وعراقي.
خلال المقابلات، بدا واضحًا أن الشاهدين يتحدثان بحذر شديد.
يقول مجد:
“كنا خائفين… من الملاحقة أو الانتقام”.
هوشيار أيضًا تردد في البداية، قبل أن يقرّ لاحقًا:
“نعم… ما حدث كان متعمدًا”.
في المقابل، تقول الرواية الرسمية إن القارب هو من غيّر مساره واصطدم بزورق خفر السواحل. لكن الشاهدين يرفضان ذلك بشكل قاطع. وقالا أن ما نشر في الإعلام غير دقيق.
“هذا غير صحيح”، يقول مجد.
“ما حدث كان اصطدامًا مباشرًا… وقتلًا متعمدًا”.
بين رواية رسمية تنفي التعمد، وشهادتين متطابقتين تتحدثان عن مطاردة طويلة، إطلاق نار، إصابات، ثم اصطدام مباشر، تتشكل صورة مختلفة لما جرى في تلك الليلة.
يقدّم الشاهد الثالث رواية تختلف جزئيًا عن باقي الشهادات، إذ يؤكد أنه كان في مقدمة القارب وشاهد لحظة الاصطدام، ويرجّح أن قارب المهاجرين هو من اصطدم بزورق خفر السواحل أثناء محاولة الهروب، في وقت كان فيه قارب الخفر قريبًا جدًا وأمامهم. وينفي الشاهد سماع أي إطلاق نار، كما يؤكد أن الركاب، بمن فيهم النساء والأطفال، لم يكونوا يرتدون ستر نجاة.
بعد الاصطدام، سقط عدد كبير من الركاب في البحر، بينما يشير إلى أن خفر السواحل تدخل لإنقاذهم خلال وقت قصير نسبيًا، مع وصول قوارب إضافية لاحقًا. وقد نُقل إلى المستشفى مصابًا بكسر في الساق، وأفاد بأنه شاهد جثثًا على متن قارب الخفر أثناء عملية الإنقاذ.
وعلى خلاف روايات أخرى، ينفي الشاهد تعرضه أو مشاهدته لأي اعتداء، ويصف معاملة خفر السواحل بأنها إنسانية، ما يضيف مزيدًا من التعقيد إلى الروايات المتضاربة حول ما جرى في تلك الليلة.

في عرض البحر، حيث لا كاميرات ولا شهود سوى من نجا، تبقى الحقيقة معلّقة بين روايتين… لكن أصوات “مجد” و“هوشيار” تصرّ على رواية واحدة:
“لم يكن حادثًا… كان متعمدًا.”
ويسأل فريق التحقيق: إذا كانت قوارب خفر السواحل مزوّدة بكاميرات مراقبة، فأين تسجيلات هذه الحادثة؟ ولماذا لم تُعرض حتى الآن؟
كما يطرح التحقيق تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن لقارب صغير يحاول الهروب أن يغيّر مساره ليصطدم عمدًا بقارب خفر السواحل الأكبر والأسرع؟
أسئلة كثيرة تفرض نفسها، فيما يؤكد الشاهدان بإصرار أن ما جرى لم يكن حادثًا عرضيًا، بل اصطدامًا متعمدًا في عرض البحر.

“التحليل الجنائي لشكل الضرر في القارب يُظهر انبعاجًا جانبيًا ممتدًا مع تموجات في الهيكل، وغيابًا لنقطة اختراق مركزية، ما يشير إلى تعرض القارب لقوة ضغط جانبية بزاوية أثناء حركة، وليس إلى اصطدام أمامي مباشر. نمط التشوه يتوافق مع احتكاك عالي السرعة أو اصطدام بزاوية (Oblique Impact)، وهو ما قد يحدث خلال مناورة بحرية قريبة أو تماس جانبي بين قاربين متحركين.”
تواصل فريق التحقيق مع قيادة خفر السواحل التركي للحصول على تعليق رسمي حول الحادثة، حيث أفادت الجهة بضرورة توجيه الطلب عبر مديرية الاتصالات في رئاسة الجمهورية التركية وفق الإجراءات المعتمدة.
وبناءً على ذلك، تم إرسال استفسارات مفصلة إلى الجهة المعنية، ومنحها مهلة أولى للرد، تبعتها مهلة إضافية لاحقة، إلا أنه لم يتم تلقي أي رد حتى لحظة نشر هذا التحقيق.
في غياب رد رسمي من قيادة خفر السواحل التركي، تبقى الروايات متضاربة بين ما تقوله الجهات الرسمية وما يرويه الناجون.
شهادات تتحدث عن مطاردة طويلة، وإطلاق نار، واصطدام يصفه بعضهم بأنه متعمد، تقابلها رواية رسمية تختلف في جوهرها.
وبين هذه الروايات، لا تزال تفاصيل ما جرى في تلك الليلة غير محسومة بشكل قاطع.
في عرض البحر، حيث لا كاميرات متاحة للرأي العام ولا شهود سوى من نجا، تبقى الحقيقة معلّقة…
بانتظار إجابات لم تصل بعد.