شهدت مدن الساحل السوري يومًا مأساويًا، حيث قُتل العشرات من عناصر الأمن العام والمدنيين. في أعقاب هذه الأحداث، فرّ العديد من المهاجرين من مناطق الساحل باتجاه قبرص الأوروبية. انطلقت ثلاثة قوارب، أحدها من لبنان، والذي فُقد لعدة أيام قبل العثور على حطام له، وكان على متنه مهاجرون معظمهم من شرق سوريا وإدلب وحماة. أما القاربان الآخران، فقد أبحرا من سواحل طرطوس السورية.
حادثة الغرق بالقرب من قبرص
في حوالي الساعة الرابعة صباحًا من يوم الجمعة 14 مارس، أبحر قارب يحمل 23 مهاجرًا من مدينة طرابلس اللبنانية، معظمهم من إدلب والرقة والمناطق الشرقية من سوريا.
بحلول الساعة التاسعة مساءً من نفس اليوم، غرق القارب. نجا شخصان فقط، وتم العثور على سبع جثث، بينما لا يزال بقية الركاب في عداد المفقودين.


وبحسب شهادة أحد الناجين، فإن ارتفاع الأمواج كان السبب الرئيسي في غرق القارب، حيث قال:
“دخلت أول موجة وامتلأ القارب بالماء. حاولنا تفريغه، لكن موجة أخرى ضربتنا وقلبت القارب.”
الإبلاغ عن اختفاء القارب
تلقت مجموعة الإنقاذ الموحد بلاغات عديدة من أهالي المفقودين، وبعد جمع المعلومات، تم تحديد آخر موقع للمركب.

على الفور، تم إبلاغ السلطات القبرصية، بما في ذلك الجانبان التركي والأوروبي، وكذلك السلطات اللبنانية. كما تم التواصل مع المنظمة الدولية Alarm Phone للضغط على الجهات المختصة من أجل التحرك والبحث عن القارب.
وفي يوم الاثنين 17 مارس، أعلنت السلطات القبرصية العثور على ناجيين اثنين من القارب المفقود. ووفقًا لوزير العدل القبرصي، تم العثور على جثث الغرقى “صدفة” خلال دوريات الموانئ، فيما استمرت التحقيقات مع أول ضوء صباح اليوم التالي.

اتهامات بالتقصير وتحميل قبرص المسؤولية
أبدت التصريحات الرسمية صدمة كبيرة، حيث تبين أن خفر السواحل القبرصي لم يقم بأي عمليات بحث عن القارب رغم تلقيه بلاغات فورية. استنادا على المعلومات التي ذكرها. هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تجاهل نداءات استغاثة مماثلة لقوارب المهاجرين. وما يزيد من خطورة الموقف أن الناجين تم العثور عليهم في نفس الموقع الذي تم الإبلاغ عنه مسبقًا.
نحمل السلطات القبرصية كامل المسؤولية ونطالب بفتح تحقيق عاجل حول هذا التقصير في أداء الواجبات الإنسانية.
دور خفر السواحل السوري
بالتزامن مع ذلك، تم إبلاغ خفر السواحل السوري، الذي أرسل طائرات وقوارب للبحث عن ناجين محتملين. إلا أن عمليات البحث لم تسفر إلا عن العثور على سترات نجاة تطفو على سطح البحر.
لاحقًا تم إبلاغ الخارجية السورية لتقديم المساعدة للعوائل السورية لمعرفة مصير أبنائهم في حادثة الغرق.


إعادة قاربين إلى سوريا وتعذيب المهاجرين

في 13 مارس، انطلقت قاربين من الساحل السوري باتجاه قبرص الأوروبية، بعد أيام من الاضطرابات التي شهدتها المنطقة. حيث هاجم مسلحون تابعون للنظام السابق نقاطًا أمنية ومستشفيات تابعة للحكومة السورية الجديدة، مما أدى إلى انتهاكات بحق المدنيين.
نتيجة لذلك، حاول العديد من أبناء الطائفة العلوية الفرار خوفًا من الانتقام، كون أن المهاجمين كانوا من الطائفة العلوية نفسها، والتي كانت محسوبة على النظام السابق. في المقابل، نفى العديد من أبناء الطائفة العلوية أي علاقة لهم بهذه الهجمات، واعتبروا أن الفاعلين مجرد مستفيدين فقدوا مصالحهم، ما انعكس سلبًا على المدنيين الأبرياء.
شهادات الناجين
حسن (اسم مستعار)
“انطلقنا من الساحل السوري باتجاه قبرص في 13 مارس، في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل. كنا مجموعة من النساء والأطفال والشباب. وصلنا في اليوم التالي بعد الظهر، حيث اقتربت منا مروحية، تبعها زورق قبرصي نقلنا إلى سفينة حربية. لم يقدموا لنا أي طعام أو ماء طوال الليل، رغم أن قاربنا كان يتسرب إليه الماء. بقينا نصرخ ونستنجد، لكن لم يقترب منا أحد حتى الصباح.”
غنّام (اسم مستعار)
“انطلق زورقان من سواحل طرطوس يوم 12 مارس، أحدهما يحمل 50 شخصًا والآخر 30، معظمهم نساء وأطفال. عند دخولنا المياه القبرصية، اقتربت منا مروحية، ثم جاء خفر السواحل واعتقلنا. تعرضنا للضرب، وسُرقت أموالنا، وكُسّرت هواتفنا، وتم تكبيل الرجال. لم نحصل على أي طعام كافٍ، وكنا نعاني من البرد الشديد.”
“بعد يومين، ألقونا في المياه الدولية، قائلين لنا: ’عودوا إلى وطنكم‘، ثم غادروا دون أن يزودونا بوقود أو طعام أو ماء. بعد أكثر من 12 ساعة في البحر، اقترب منا زورق لبناني وساعدنا حتى وصلنا إلى المياه السورية.”.
وعندما تعرفنا إلى مياهنا وشواطئنا، غمرتنا فرحة النجاة من المصير المجهول الذي وضعنا فيه خفر السواحل القبرصي.

حسين (اسم مستعار)
“أنا من طرطوس، وكنت أحد ركاب القارب الذي وصل إلى قبرص. عند وصولنا، تعرضنا لمعاملة قاسية، حيث تم تكبيلنا بالسلاسل وتركنا في العراء على سطح بارجة بحرية لمدة يومين. لم نحصل على أي طعام إلا ما يُلقى على الأرض، واضطررنا للأكل مكبّلين. تعرضت لكسر في الحوض، لكن لم يقدم لي أحد أي مساعدة رغم مناشدتي المترجم، الذي رفض حتى الرد عليّ.”
“كان معنا العديد من النساء والأطفال، حتى الرضع، الذين عانوا من نفس الظروف القاسية.”
فاطمة (اسم مستعار)
“أنا أم لطفلين وحاصلة على شهادة في الكيمياء. قررت الفرار عبر البحر خوفًا من الانتهاكات التي تعرض لها العلويون بعد أحداث الساحل السوري. أبحرنا على متن قارب يحمل 26 مهاجرًا، معظمهم من الطبقة المثقفة، وكان بيننا أطفال وبعض الأشخاص من إدلب.”
“عند اقترابنا من قبرص، تعامل خفر السواحل معنا بوحشية، وصادروا سترات النجاة، حتى الخاصة بالأطفال. استغلوا نومنا ليلاً وأبعدونا عن الجزيرة، مستخدمين أساليب تعذيب نفسي وجسدي، مثل تركنا تحت الشمس لساعات.”
“لولا المجازر، لما فكرت يومًا في مغادرة سوريا.”
مطالب ونداءات إنسانية
هذه الشهادات المروعة تسلط الضوء على انتهاكات جسيمة بحق المهاجرين السوريين، سواء من قبل خفر السواحل القبرصي أو في ظل الظروف السياسية المضطربة داخل سوريا.
نطالب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق عاجل في هذه الانتهاكات، وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم بحق الفارين من ويلات الحرب والاضطهاد.